ابن الفارض

85

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

عضو خصّص الفم والسمع بحكم آخر يناسب الأول ، وهو تزاحمهما في شيء وتراحمهما فيه ، فقال : لفيّ وسمعي فيّ آثار زحمة * عليها بدت عندي كإيثار رحمة ( في ) الأول : اسم من الأسماء الستّة مضاف إلى ياء المتكلّم ، و ( في ) الثاني : حرف جرّ للظرفية داخل على الياء . أخبر عن تزاحم فيه ، وسمعه في نفسه على رحمة المحبوبة كتراحمهما فيها بأن لهما فيه إيثار رحمة . أما آثار رحمتهما ؛ فلأنه إذا اشتغل فوه بذكر المحبوبة والمكالمة معها لم يجد حينئذ في نفسه مناعا لسماع كلامها ، وكذلك بالعكس ، وقوله عليها ، أي : على رحمتها من باب حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه لدلالة القرينة عليه ؛ كقولهم : ( تزاحمت الأيدي على الطعام ) ، أي : على أكله ، وقوله : ( بدت عندي ) أي تلك الرحمة ظهرت عندي لضيق رعايتي وغيبوبة بعض صفاتي في بعضي لا عندي المحبوبة لسعة علمها ، وعدم غيبوبة سمعها في كلامها ، وكلامها في سمعها ، وأما إيثار رحمتها فأتى ببيانه في قوله : لساني إن أبدى إذا ما تلا اسمها له * وصفه سمعي ، وما صمّ يصمت وأذني إن أهدى لساني ذكرها * لقلبي ، ولم يستعدّ الصّمت ، صمّت ( صمّ ) : صار ذا صمم ، ( أهداه ) أعطاه هدية ، ( استعده ) تهيّأ له ، وفي بعض النسخ : ( استعبد ) أي اتّخذه عبدا ، فاعل ( أبدى ) ( سمعي ) ، وفاعل ( تلا ) ضمير عائد إلى ( اللّسان ) ، وهو مبتدأ خبره ( يصمت ) ، وكذلك ( أذني ) مبتدأ وخبره ( صمت ) ، وإذا بمعنى حين ، و ( ما ) زائدة [ 101 / ق ] . يعني : إذا اشتغل لساني أو أذني بوظيفته وزاحمه الآخر ترك حظه إيثارا على الآخر ، فلو تلا لساني اسم المحبوبة ، وأظهر له سمعي وصف إصغائه إلى الكلام ، وما ترك ذلك الصمت لساني تاركا حظّه مؤثرا على السمع رحمة حظّه من سماع الكلام وكلّت ، لو لم يصمت لساني عند إهدائه ذكر المحبوبة إلى القلب صمت أذني ، وتركت حظ سماعها مؤثرة على اللّسان رحمة حظ الذكر ، ثم قال : أغار عليها أن أهيم بحبّها * وأعرف مقداري فأنكر غيرتي ( الغيرة ) حمية المحب على التعلق بين محبوبه والغير ، وهي من الأحوال السنيّة لأهل المحبّة وهي تنقسم ثلاثة أقسام : غيرة المحب ، وغيرة المحبوب ، وغيرة